الغزالي
7
إحياء علوم الدين
إن علمتم أيّ موضع هو فاطلبوه . قالوا نسأل الله . قال إن علمتم أنه ينساكم فذكَّروه . فقالوا ندخل البيت ونتوكل وننظر ما يكون . فقال التوكل على التجربة شك . قالوا فما الحيلة ؟ قال ترك الحيلة . وقال أحمد بن عيسى الخراز : كنت في البادية فنالني جوع شديد ، فغلبتني نفسي أن أسأل الله تعالى طعاما ، فقلت ليس هذا من أفعال المتوكلين فطالبتنى أن أسأل الله صبرا ، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ويقول ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الاقتار جهدا كأنا لا نراه ولا يرانا فقد فهمت أن من انكسرت نفسه ، وقوي قلبه ، ولم يضعف بالجبن باطنه ، وقوي إيمانه بتدبير الله تعالى ، كان مطمئن النفس أبدا ، واثقا باللَّه عز وجل . فإن أسوأ حاله أن يموت ولا بد أن يأتيه الموت كما يأتي من ليس مطمئنا فإذا تمام التوكل بقناعة من جانب ، ووفاء بالمضمون من جانب . والذي ضمن رزق القانعين بهذه الأسباب التي دبرها صادق ، فاقنع وجرّب تشاهد صدق الوعد تحقيقيا بما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك وحسابك . ولا تكن في توكلت منتظرا للأسباب ، بل لمسبب الأسباب ، كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب ، بل لقلب الكاتب ، فإنه أصل حركة القلم . والمحرك الأول واحد ، فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه ، وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد ، أو يقعد في الأمصار وهو خامل وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم ، فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ ، وثوب خشن يليق بأهل الدين ، فهذا يأتيه من حيث يحتسب ولا يحتسب على الدوام . بل يأتيه أضعافه . فتركه التوكل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور ، فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق إليه أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب . فالاهتمام بالرزق قبيح بذوي الدين ، وهو بالعلماء أقبح ، لأن شرطهم القناعة ، والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة وإن كانوا معه ، إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه ، فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ، ولم يكن له سير بالباطن . فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن